حكومة ميقاتي عالقة بين «النيران الصديقة» و«التسخين» الانتخابي...

من وسام أبوحرفوش وليندا عازار ـ الراي

يدخل لبنان اليوم رسمياً مدار الانتخابات النيابية المقرَّرة في 15 مايو المقبل، إذ يبدأ سريان مهلة التقدّم بطلبات الترشيح التي تستمرّ حتى 15 مارس، وسط تَحَوُّل هذا الاستحقاق الناظمَ السياسيّ للواقع في «بلاد الأرز»، سواء لجهة رصْد منسوب التغيير الذي يمكن أن يحمله على صعيد انتزاع «صك الشرعية» الذي أمسك به ائتلاف «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» (حزب الرئيس ميشال عون) في 2018، أو قياس كل المعارك الداخلية، بين أطراف «الخندق الواحد» (في التموضع الاستراتيجي) كما بين هؤلاء وخصومهم، بحسب تداعياتها الانتخابية، وهو ما ينطبق على عناوين السياسة والمال ومتفرّعاتها.

وفي حين عَكَس تَصدُّر حزب «القوات اللبنانية» صفوف من أعلنوا «التعبئة الحزبية الشاملة لخوض المعركة الانتخابية» التي حَدَّدَ لها الدكتور سمير جعجع عنوانَ «إنقاذ لبنان من الواقع المزري الذي أوصل اللبنانيين إليه تحالف «حزب الله» و «التيار الحر» ومَن معهما الأهميةَ التي تعلّقها «القوات» على استحقاقٍ تخوضه باعتباره المدخل لتصويب المسار السياديّ وأنه سيمنحها الصدارة مسيحياً على فريق عون بما يقطع تالياً بالحدّ الأدنى الطريق على وصول رئيس «التيار» جبران باسيل لرئاسة الجمهورية إذا لم يكن دخول جعجع «القصر» ممكناً، فإنّ قَرْعَ طبول نيابية 2022 التي يعاينها الخارج عن كثب سيتشابك في الأشهر الأربعة المقبلة مع المَهمة الثانية التي شُكلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي للتصدي لها وهي إنجاز خطة النهوض وإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

ولم يعُد خافياً أن حكومة ميقاتي باتت بين «نارين»:

• الحروب الانتخابية ومستلزماتها التي تجعل أي خطوة إصلاحيةٍ ترتّب أعباءَ مباشرة على اللبنانيين «المنكوبين» تُقارَب في «الميزان الشعبي» من مختلف القوى سواء الممثَّلة في مجلس الوزراء أو لا.

• الاحتراب بين مكوّنات الحكومة نفسها على ملفاتٍ عدة، يشكّل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت «رأس جبل الجليد» فيها وخصوصاً في العلاقة بين عون ورئيس البرلمان نبيه بري الذي ينخرط ومعه «حزب الله» في عملية «تدافُع خشن» لا عودة عنها بهدف إقصاء كبير المحققين في بيروتشيما القاضي طارق بيطار أو تقويض مهمته عبر تجزئة دوره وحصْره بغير السياسيين، وهو الملف الذي «انفجر» بالحكومة في 12 أكتوبر الماضي وعطّل جلساتها وما زالت تشظياتُه تتطاير في كل الاتجاهات.

وإذا كانت الانتخاباتُ النيابيةُ تؤخذ حتى في حسبان صندوق النقد الدولي الذي قد يشكّل التخبّط اللبناني المتمادي حافزاً لتحبيذ إرجاء إنجاز أي اتفاق لما بعد استحقاق مايو 2022، فإنه إلى جانب الاعتبارات الانتخابية التي ستتحكّم بتعاطي غالبية القوى السياسية مع الإصلاحات البنيوية والهيكلية المطلوبة وما تستوجبه من إجراءات «غير شعبية»، يبقى التأزم الحكومي عقبة أساسية في طريق وضع البلاد على سكة مزدوجة: أولها «التصحيح التقني» الذي يوصل إلى الإنقاذ.

وثانيها «التصحيح السياسي – السيادي» الذي يأمل كثيرون أن تؤسس له صناديق الاقتراع، رغم محاولة «حزب الله» استباق هذه المحطة بإعادة الاعتبار لمعيار الديموقراطية التوافقية و«تنويم» مفهوم حُكْم الأكثرية الذي «مُنع» خصومه من ممارسته أصلاً بين 2005 و2018 والذي لا يرى الحزب أن بالإمكان استعادته في ظل القراءات التي تشي بأن البرلمان المقبل سيكون على شاكلة أكثريات «بالمفرّق».

وفي حين شكّلت «الهدية الملغومة» التي قدّمها عون لبري بتوقيع مرسوم فتْح الدورة الاستثنائية للبرلمان مقيِّداً إياه بإطارٍ محدَّد لجدول الأعمال (في موازاة تسمية بنودٍ في عيْنها) عنوان اشتباكٍ جديداً على جبهة بعبدا - عين التينة يُنتظر أن تبلغ مداها عندما يدعو رئيس مجلس النواب إلى جلسة عامة (تَردد أنها ستُوجه هذا الأسبوع) تُحَدِّد برنامجَها هيئةُ مكتب المجلس وفق المعيار الذي رفعه بري «البرلمان سيّد نفسه» مع ما لذلك من تداعيات على العناوين الإصلاحية التي يتعيّن على السلطة التشريعية مواكبتها وإقرارها، فإنّ «التسخين» المستمر لهذه الجبهة يُتوقَّع أن يترك ارتداداته على محاولة ميقاتي التمهيد لجلسة حكومية، ولو يتيمة، لإقرار مشروع موازنة 2022 بعد أن يتسلّمه من وزير المال، باعتبار أن هذا الأمر شرط رئيسي من شروط التفاوض مع صندوق النقد الدولي (أواخر هذا الشهر).

من هنا، راوحت التقديرات أمس بين أن ميقاتي مصرّ على توجيه دعوة لمجلس الوزراء يعمل على «حمايتها» من «النيران الصديقة» وتوفير «ممرّ آمن» لعقدها دون تطيير الحكومة، وبين أن الثنائي الشيعي ولا سيما بري لن يسمح بكسْر «الحصار» على مجلس الوزراء قبل بتّ قضية بيطار ولا سيما في ظل اشتداد «المطاحنة» مع عون، وهو ما سيضع رئيس الوزراء أمام خيار صعب إما بدعوة الحكومة و«ليتحمّل كل طرف مسؤوليته» وإما ترْك البلاد رهينة المناكفات و«اللعب» الذي بات على حدّ السيف وسط تسارُع الانهيار القياسي لليرة (تجاوز سعر صرف الدولار أمس 30 ألفاً و500 ليرة) وفقدان لبنان كل «أحزمة الأمان» وتزايُد مظاهر الفوضى والفلتان في الشارع كما كل المرافق.

من ناحيته، دعا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى «أن تسترجع الشرعيّةُ اللبنانيّةُ قرارَها الحرَّ الواضحَ والقويم، ووِحدةَ سلطتِها العسكريّة، وأن تنسحب من لعبة المحاور المدمّرة، وتحافظ على مؤسّساتها الدستوريّة بإجراء الانتخابات النيابيّة والرئاسيّة في مواعيدها»، مؤكداً «أنها جريمة أن يستمر تجميد الحكومة لأسباب باتت واضحة».

وقال الراعي في عظة الأحد في مواقف حملت غمزاً من قناة «حزب الله»، من دون تسميته: «هذا الكيان ليس مصطنعاً كي نعبث فيه كل مدة على هوى هذا أو ذاك، ونُعيد تركيبه حسب موازينِ القِوى الآنيّة السياسية والعسكرية. وإذا شاءت المكوّناتُ اللبنانية تطوير النظام، وهي على حق، من مركزية حصرية إلى لامركزية موسّعة لتعزز خصوصياتها وأمنها وإنماءَها، وتُزيل نقاطَ النزاعات المتكررة، وتعالج نتوءات التعددية، فلا يجوز لأي تطور أن يكون على حساب هوية لبنان وحضارته ورقيه ودورِه وحيادِه السيادي وجوهر وجوده».

وأكد أن «لبنان موجود هنا بخصوصيته الوطنية التاريخيّة ليشهد للحضارة والتعايش والكرامة والحريّة ولعَلاقاتِه العربيّةِ والعالميّة. وإذا كانت قوى لبنانيّة معيّنة تُزمع أن تربط ماهيّة وجود لبنان بالصراعات الإقليميّة وولاءاتها الخارجيّة، فإنّها تخرج عن الإجماع وتصيب وحدة لبنان في الصميم. جريمة هي أن نقضي عليه ونشوّهه في هويته».

وفي هذا الإطار، لم يكن عابراً «الظلام الشامل» الذي قبض على لبنان مساء السبت، بفعل «الغزوة» على محطة التحويل الكهربائية الرئيسية في منطقة عرمون التي نفّذها محتجون على انقطاع التيار الكهربائي. وقد عبث المحتجون بمحتويات المحطة وقاموا بإجراء مناورات كهربائية داخلها «ما أدى إلى نشوء اضطربات على الشبكة وأثّر سلباً على ثباتها واستقرارها، الأمر الذي تَسَبَّبَ بفصْل جميع مَعامل إنتاج الطاقة التي كانت متوافرة عنها وصولاً للانقطاع العام للتيار الكهربائي عن كامل الأراضي اللبنانية»، كما جاء في بيان صدر عن مؤسسة كهرباء لبنان، وسط تسجيل غياب فاضح للقوى الأمنية لساعات عما حصل قبل أن يتم إصلاح الوضع وعودة الكهرباء «الشحيحة».

تعليقات