الشكوك تطغى على تقديرات إيرادات الموازنة والدولار الجمركي... والمالية العامة معلَّقة على مشابك الانتخابات النيابية
كتبت صحيفة «الراي» الكويتية:
تترقب الأوساطُ الماليةُ بحذرٍ شديدٍ
مشوارَ مشروعِ قانون الموازنة العامة الذي ستعكف الحكومة على استخلاص صيغته
النهائية يوم الخميس، بعدما جرى التوافق على تعديلاتٍ مهمة يَتَصَدَّرُها ترحيلُ
ثِقْلِ تمويل مؤسسة الكهرباء إلى برنامجٍ مستقل لاحق، وسط ترجيحات ذات صدقية
بحتميةِ توسع العجز بما يتعدى النسبة التقديرية البالغة 21 بالمئة، ربطاً بحجم
الايرادات المشكوك بتحصيلها.
ويُرجّح خضوع مشروع الموازنة لضغوطٍ
إضافية مع وصوله إلى اللجان النيابية وقبل إقراره في الهيئة العامة. ذلك ان البلاد
دخلت فعلياً موسم الانتخابات النيابية المقررة منتصف مايو المقبل، وما تتيحه منصة
مجلس النواب عبر النقل التلفزيوني المباشر يُعَدُّ فرصةً فريدة للخطابات
الانتخابية ورفْع سقوف تشريح البنود الضريبية والدولار الجمركي، مشفوعة برفع نبرات
المطالبة بتخصيص مبالغ إضافية لمصلحة القطاع العام على شكل معونات مالية للمداخيل
وزيادة مخصصات المساعدات الاجتماعية والصحية.
وقد عكس سحْب الحكومة لسلفة مؤسسة
الكهرباء البالغة 5250 مليار ليرة وحصْر العجز التقديري بنحو 10 تريليون ليرة،
تهيباً من تعريض المشروع بكامله لاعتراضاتٍ أوسع نتيجة التراكمات المريرة للأكلاف
المالية الهائلة والمقدَّرة، أصولاً وفوائد مدفوعة من ضمن خدمة الدين العام، بنحو
40 مليار دولار على مدى الأعوام الماضية والتي تكبّدتْها المالية العامة في تمويل
هذا القطاع الذي يستمرّ بالانحدار هيكلياً وخدماتياً لدرجة تأمين الكهرباء لساعات محدودة
يومياً، فيما تُحَلِّقُ تكلفة التزوّد بالتيار من خلال الاشتراكات بالمولدات
الخاصة بما يفوق قدرات غالبية المقيمين.
وبالتوازي، تسعى الحكومة إلى رفْع
درجة الاستجابة لمطلب رئيسي يُدْرِجُهُ صندوق النقد الدولي ضمن شروطه المعتادة
لعقد اتفاقيات برامج تمويل. فنسبة العجز المطلوبة يجب أن تكون بين 2 و3 بالمئة إلى
الناتج المحلي بالحد الأقصى، وهو ما يتم تجاوزه في حال ضمّ سلفة الكهرباء كونه
يزيد مبالغ العجز الى 15.5 تريليون ليرة، كما يرفع العجز التقديري للايرادات مقابل
النفقات إلى نحو 31 بالمئة. علماً أن هذه المعادلة تخلو تماماً من خدمة الدين
العام بالعملات الأجنبية (اليوروبوندز) والمعلَّق دفْع كامل موجباتها منذ مارس
2020. وفي ظل استمرار تَفاقُم الأزمتين النقدية والمالية، ستظل احتياطاتُ البنك
المركزي المتبقية والبالغة نحو 12.3 مليار دولار عاجزةً عن التوازي مع كامل احتياجات
الاستيراد والمودعين في البنوك، كونها أصبحت بعد تبديد نحو 14 مليار دولار على دعم
المواد والسلع في عامين متتاليين، الرمقَ الأخير لكامل المصروفات بالدولار
والموجّهة خصيصاً لدعم الطحين والأدوية واللوازم الطبية والحدّ من تدهور العملة
الوطنية. وذلك ريثما يصل القطار اللبناني إلى محطة إبرام اتفاقية تمويل مع صندوق
النقد الدولي محورها خطة متكاملة للإنقاذ والتعافي. لكن الأهمّ في مسار إعادة
انتظام المالية العامة، يكمن في مسألة سعر صرف العملة الوطنية.
فبحسب مصادر مالية معنية وخبراء، لا
يمكن الركون طويلاً إلى قدرات مصرف لبنان المركزي في ضخ الدولار النقدي عبر ردهات
البنوك المحلية. وما حققته الليرة من تحسن كبير نسبياً مع هبوط الدولار من مستواه
الأعلى البالغ نحو 34 ألف ليرة إلى نحو 21 ألف ليرة حالياً، يتعذّر تحولّه، وفق
خلاصة أحدث تقرير لوكالة «موديز»، الى استقرار طويل الأمد في سعر الصرف وكبْح
مستويات التضخّم، في ظلّ غيابِ إتفّاقِ تمويلٍ مع صندوق النقد الدولي مشروطٍ
بإعادة هيكلة شاملة للدين. وتسود خشية من توليد عوامل انكماش إضافية وزيادة الضغوط
على المداخيل والقدرات الشرائية جراء التوسع أو التفلت في استخدام معدلات صرف جديدة
لفرض الرسوم والضرائب، وبما يشمل ربط سعر الدولار الجمركي بسعر الدولار المتداول
على منصة صيرفة، والذي يزيد حالياً عن 14 ضعف السعر الرسمي السائد عند مستوى 1515
ليرة لكل دولار. وفي ظل مخاوف من تحفيز عمليات التهريب وإعادة تنشيط الاقتصاد
الموازي، نبّهت الهيئات الاقتصادية من «الإصرار على تسعير الدولار الجمركي على
أساس منصة صيرفة، لِما له من تداعياتٍ إقتصادية وإجتماعية كارثية ستطاول الجميع من
دون إستثناء، وكونه سيشكل صدمة سلبية تضرب الإستهلاك وتزيد من الإنكماش الإقتصادي،
في الوقت الذي أكثر ما يحتاج إليه الإقتصاد الوطني هو صدمة إيجابية لتحقيق النمو
الذي يُعتبر السبيل الوحيد لبدء مسيرة التعافي».
وإذ أكدت «إن هذا الإجراء سيزيد
أسعار مختلف السلع التي يحتاجها المواطن في كل تفاصيل حياته»، لفتت إلى «أن ما
ستعطيه الدولة من مساعداتٍ إجتماعية لمختلف العاملين فيها في يدٍ ستأخذ أكثر منه
بكثير من اليد الأخرى وخصوصاً مع التوجه لزيادة تعرفات الإتصالات والكهرباء ومختلف
الرسوم التي تتقاضاها».
كما نوّهت الهيئات الاقتصادية
بتوافقها السابق مع الحكومة والقاضي برفع الدولار الجمركي بشكل تدريجي باعتماد سعر
دولار 8 آلاف ليرة بدايةً، على أن يتم درس آثاره بعد ستة أشهر.

تعليقات
إرسال تعليق