شربل صفير ـ نداء الوطن
أكثر من 6,500 طفل ومراهق لبناني ولاجئ يمارسون التسوّل بشكل يومي في شوارع العاصمة والمناطق الكبرى. نصفهم لا يعرفون مدرسةً يقصدونها، ونسبة كبيرة منهم فقدت فرصة الطفولة نفسها. هذه الأرقام الصادمة التي أوردتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في تقريرها الأخير لعام 2025 ليست مجرد إحصاءات باردة، بل تُظهر واقعًا إنسانيًّا مأساويًا يتكشّف أمام أعين المجتمع اللبناني من دون حل حقيقي أو تدخل منهجي حاسم.
في بيروت وحدها، يقبع الأطفال عند إشارات المرور، أمام البنوك والمولات والمساجد، وفي التقاطعات الحيوية التي تستقطب حركة المواطنين، يعملون بين السيارات والمارة بضحكات باهتة وأيدي ممدودة، محولين شوارع المدينة إلى مناطق عمل بديلة تحوّل الحاجة إلى مهنة، والاستغلال إلى لقمة عيش فرضتها الأزمة.
أرقام حديثة تكشف عمق الأزمة
تشير أحدث البيانات إلى أن أكثر من 6,500 طفل ومراهق يمارسون التسوّل المنظّم في لبنان، نصفهم محرومون من التعليم ولا يلتحقون بالمدارس، بينما ينتمي نحو 70-75% منهم إلى اللاجئين السوريين، وفق ما أورده تقرير اليونيسف لعام 2025. وتشير هذه الإحصاءات إلى أن نحو 45% من هؤلاء الأطفال يمارسون التسوّل مباشرة، أما الباقون فيتوزعون على أنشطة أخرى تشمل بيع البضائع الصغيرة أو تقديم خدمات بسيطة في الشارع، مما يعكس تنوعًا في أنشطة الكسب غير المشروع وتغلغل الاستغلال في حياتهم اليومية.
ولا يقتصر الانتشار على العاصمة فحسب، بل تشير تقارير محلية حديثة إلى أن طرابلس والمناطق الحضرية الأخرى تشهد كثافة متزايدة في نشاط التسوّل المنظّم، إذ تتواجد المجموعات في نقاط محددة وذات حركة كثيفة، غالبًا تحت إشراف شبكات تستفيد من حاجة الأطفال والأسر، وتحوّل التسوّل إلى سوق منظم يُدار في الخفاء.
شهادات من قلب الواقع
قبل الفجر، على رصيف شارع الحمرا الشهير، تقف يارا (اسم مستعار)، طفلة لا تتجاوز الثانية عشرة، ترتجف من برد الشتاء وتلوّح بوردة صغيرة أمام السيارات المتوقفة. عينها تتفحّص المارة بلهفة وحذر، وكأن كل لحظة انتظار قد تغيّر مصيرها. بصوت خفيض، تهمس لـ"نداء الوطن"": كنت أحب المدرسة… أحب الرسم والقراءة، كنت أحلم أن أصبح معلمة أو طبيبة، لكن أجلتها لأننا لم نعد نملك حتى ثمن القسط البسيط. أحيانًا أشعر أنني اختفيت بين أعدادنا الكبيرة، الأطفال الذين يمضون ساعات في الشارع بدل الفصول الدراسية."
تضيف الطفلة بحسرة: "أحيانًا أرى أصدقائي في المدرسة يضحكون ويتعلمون، وأنا أحمل وردتي في البرد، أطلب القليل من الناس. أحلم بيوم أعود فيه للصف وأجلس مع زملائي، لكن كل يوم هنا يبدو أطول من الذي قبله."
كلمات يارا ليست مجرد حديث، بل صدى صامت لمعاناة آلاف الأطفال الذين يعيشون ظروفًا مماثلة، ويجعلون الشارع بديلًا عن بيتهم ومدرستهم وحلمهم الطفولي، حيث تتحول البراءة اليومية إلى تحدٍّ للبقاء على قيد الأمل.
وفي طرابلس، يروي حسن، فتى في الثالثة عشرة، تجربته المريرة لـ"نداء الوطن": "أبيع المناديل منذ سنتين، يومًا بعد يوم، وأحيانًا أعود إلى البيت بلا شيء… أشعر أنني أعيش في حكاية لا تنتهي، لا أعرف متى ستنتهي، ولا إذا كنت سأرى يومًا فرصة للعب أو الدراسة."
يتابع بصوت منخفض، وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر من حديثه معنا: "أحيانًا أشعر أن الشارع أصبح بيتي والمدرسة حلمًا بعيدًا. أرى أصدقائي في الحي يذهبون إلى المدرسة، بينما أظل أنا بين السيارات والمارة، أبحث عن دراهم لأعيل عائلتي. أحيانًا يأتي أحدهم ويعطي قليلًا، وأحيانًا لا أحد يلتفت، لكننا مضطرون للصمود… ليس لدينا خيار آخر."
كلمات حسن تكشف وجهًا آخر للشارع اللبناني، حيث تتحول ساعات الطفولة إلى صراع مستمر للبقاء، ويصبح التسوّل جزءًا من يومياته، لا مجرد طلب صدقة، بل معركة يومية بين الأمل واليأس.
هذه الأصوات ليست استثناءً نادرًا، بل ملامح يومية لحياة أطفال لبنان الذين بات العشب الأخضر للحدائق، والكتب المدرسية، حلمًا بعيدًا بينما يلتصق واقعهم بأرصفة الطرقات ولقطات المرور.
أسباب الظاهرة: شبكة معقدة وراء البساطة الظاهرة
لم يولد التسوّل المنظّم من فراغ. هو نتاج تداخل عوامل اجتماعية، اقتصادية وقانونية جعلت من الشارع "ساحة عمل قسري" للأطفال: الأزمة الاقتصادية المتواصلة جرفت الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فباتت مشاركة الأطفال في الشارع خيارًا قسريًا لتأمين المعيشة.
- غياب شبكة حماية اجتماعية فعّالة ترك الأطفال بلا بديل حقيقي، فلا تعليم يضمن مستقبلهم، ولا برامج تأهيل واقية من الاستغلال.
- القوانين المؤسسة موجودة لكن التطبيق غائب، ففي حين تُجرّم الأنظمة اللبنانية استغلال الأطفال للعمل القسري أو التسوّل، يبقى تنفيذها ضعيفًا أو غير موجود، مما يتيح استمرار هذه الممارسات في العلن والظل.
وهكذا، يتداخل الفقر مع انعدام الحماية، وتتحوّل الحاجة إلى سوق منظمة للتسول، ليست مجرد طلب صدقات، بل نشاطًا يوميًا يتقنه الأطفال وكأن الشارع مكانهم الطبيعي.
تداعيات اجتماعية ونفسية تتجاوز الشارع
تقول الدكتورة ليلى مبارك، اختصاصية علم نفس الأطفال والمراهقين لـ"نداء الوطن": "التسول المنظّم لا يمس الأطفال وحدهم، بل يترك أثرًا عميقًا على نسيج المجتمع بأسره. حرمان الأطفال من التعليم يعني حرمانهم من أدوات بناء المستقبل، وتحويلهم إلى جزء من قوة عاملة غير قانونية، بلا أي فرص لتطوير قدراتهم ومواهبهم. كما أن مشاهدة هذه الظاهرة يوميًا تخلق شعورًا عامًا بعدم الأمان في الأماكن العامة، فالشارع الذي كان مساحة للعمل، اللعب، أو الحياة الاجتماعية، يتحوّل إلى مكان يختلط فيه البكاء بالقلق والشفقة، والإحراج بمشاعر العجز."
وتضيف الحاج"ما يزيد الوضع سوءًا أن استمرار هذه الظاهرة بلا تدخل فعّال يولّد دورة من الاستغلال عبر الأجيال. فالطفل الذي يرى التسوّل اليوم كخيار للبقاء قد يكرّره مع أبنائه غدًا، فيصبح التسوّل نمط حياة متوارثًا، وليس مجرد أزمة عابرة."
اتجاهات الحل: من الاستجابة الإنسانية إلى الاستراتيجيات الجذرية
وتتابع الحاج بالتحليل العملي: "إذا كان التسول المنظّم يعكس مرآة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، فإن الحل لا يكمن فقط في منع تمديد اليد أو الحملات الأمنية المؤقتة، بل يتطلب خطة وطنية شاملة تعالج جذور المشكلة. لبنان بحاجة إلى شبكة حماية اجتماعية فعّالة توفر الدعم المباشر للأسر، تفتح أمام الأطفال فرص التعليم المستدام، وتؤسس مراكز حماية حقيقية تمنع الانزلاق نحو الشارع. كما يجب على الحكومة ووزارة الشؤون الاجتماعية تفعيل القوانين بحزم بحق من يستغل الأطفال، والاعتراف بأن شبكات التسوّل المنظّم ليست مجرد فعل عرضي نابع من الفقر، بل جزء من جريمة الاستغلال والاتجار بالبشر تتطلب متابعة صارمة."
وتختم:"إلى جانب ذلك، يظل دعم المنظمات غير الحكومية والمبادرات المجتمعية ضرورة أساسية لتأهيل الأطفال وإخراجهم من الشارع، مع تأمين موارد تمويل مستقرة لها. والأهم، إطلاق حملات توعية وتثقيف مجتمعي تهدف إلى قطع شبكة الطلب على التسول، مع الحفاظ على حس الإنسانية وتقديم بدائل تعليمية واقتصادية حقيقية. هذه الأزمة ليست عابرة، بل تهدّد مستقبل أجيال كاملة، وتستوجب إرادة وطنية ومجتمعية حقيقية لإيقافها قبل أن تقضي على فرصة الطفولة في لبنان."

تعليقات
إرسال تعليق