لبنان: أزمة مياه في مخيّمين فلسطينيّين

 

انتصار الدنان ـ العربي الجديد

جدّد اللاجئون الفلسطينيون في لبنان مناشدتهم وكالة أونروا واللجنة الشعبية توفير المياه النظيفة بكمياتٍ وافية، وإنهاء المعاناة الإنسانية في بيروت والجنوب.

في ظل الأزمات المعيشية المتفاقمة التي يعاني منها اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات اللبنانية، أعلن القائمون على بئر المرشد في مخيم عين الحلوة (جنوب)، قراراً يقضي بتخفيض ساعات تزويد المياه، ما يزيد معاناة الأهالي ويكبّدهم أعباء إضافية. الحال ذاتها تنسحب على سكان مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يعانون من شحّ المياه بسبب تعطل العمل في بئر الوزّان.

وكان القائمون على بئر المرشد في مخيم عين الحلوة قد أعلنوا أخيراً أنه "بكل أسف ستُخفّض ساعات تشغيل البئر، لتصبح فقط ثلاث ساعات يومياً. وقد جاء هذا الإجراء الاضطراري نتيجة قرار وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تقليص كمية المازوت المخصّصة لتشغيل البئر إلى أقل من النصف، ما حال دون تشغيلها وفق الساعات المعتادة". وأكد القائمون أن هذا الواقع خارجٌ عن إرادتهم، آملين من الأهالي تفهّم الوضع الحرج، والسعي إلى ترشيد استهلاك المياه والتعامل معها بما يتناسب.

يقول أبو محمد، وهو أحد سكان مخيم عين الحلوة، لـ"العربي الجديد": "أزمة المياه لم تعد تُحتمل. ننتظر ساعات الضخ القليلة لنخزّن ما نستطيع، وكأننا نعيش في حالة طوارئ دائمة. ثلاث ساعات في اليوم لا تكفي لا لتأمين مياه الشرب ولا مياه الاستخدام والنظافة الشخصية ولا لأي حاجات أساسية". ويضيف: "تمتد المشكلة إلى كلفة شراء المياه التي يعجز كثيرون عن تحمّلها، خصوصاً أنّ معظم سكان المخيم من أصحاب الدخل المحدود وكبار السن. لذلك، نطالب الجهات المعنية، وعلى رأسها وكالة أونروا، بتحمّل مسؤولياتها كاملة، لأن المياه ليست رفاهية بل حق أساسي من حقوق الإنسان". ويختم أبو محمد بالقول: "لا يمكن الحديث عن صحة ونظافة ووقاية من الأمراض في ظل هذا الواقع، فنحن لا نطلب المستحيل، إنما نريد فقط مياهً سليمة، بكميات كافية".

وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، تقول فردوس ميسور نصّار، وهي ناشطة اجتماعية في مخيم برج البراجنة: "عندما نسأل اللجنة الشعبية عن سبب أزمة المياه، تُحمِّل المسؤولية لوكالة أونروا، وعندما نسأل الوكالة تقول إنّها وفّرت المازوت منذ سنة، لكنّه سُرق خلال ثلاثة أيام. وإذ تشير الوكالة إلى أنّها لا تعلم الجهة السارقة، تُقرّ بأّنها سلّمت الكميات المطلوبة إلى اللجنة الشعبية، علماً أنّ أعضاء اللجنة تغيّروا لاحقاً، وبقي الملف من دون محاسبة أو متابعة. إذاً، نحن أمام أزمة قائمة، والمطلوب حلّ فوري وليس تبادل اتهامات".

وتتحدث فردوس عن سبَبين أساسيّين للأزمة الحالية؛ أحدهما ساعات الضخّ المحدودة، إذ إنّ "أونروا" لا تقدّم كمية المازوت اللازمة لتشغيل مولدات ضخّ المياه. أما السبب الثاني، فهو تعطّل المولّد الذي يضخّ المياه إلى المنازل، وقد تبيّن أن إصلاحه يحتاج إلى قطعتين؛ القطعة الأولى بكلفة 2500 دولار أميركي، والثانية بكلفة تُراوح بين 2500 و4000 دولار، فيما ترفض وكالة أونروا تحمّل هذه الكلفة، بينما تؤكد اللجنة الشعبية أنّها لا تملك الميزانية لذلك. وتضيف: "هكذا، بقينا عالقين بين جهتين، ومن دون حلّ، فيما تمكنت فئة قليلة من الاشتراك بالمياه العذبة مقابل 35 دولاراً بالشهر، لكن معظم الأهالي غير قادرين على ذلك".

وتتابع الناشطة الاجتماعية أنه "في منطقة الوزّان تحديداً، تعطّل المولّد الذي يضخّ المياه إلى المنازل، كما أنّ المياه المتوفرة كلسية وشديدة الملوحة بالأصل، وقد ألحقت الأذى بصحتنا الجسدية، وتآكلت معها أغلب الأنابيب والأدوات المنزلية. وتُراوح كلفة المولّد بين 2500 و4000 دولار، وما من أحد يتحرّك، لا وكالة أونروا ولا اللجنة الشعبية ولا الفصائل الفلسطينية، فيما يُترك اللاجئون من دون مياه كافية أو صالحة للشرب، علماً أن أقل خزان مياه تصل كلفته إلى 500 ألف ليرة لبنانية (نحو ستة دولارات)". وتختم فردوس بالقول: "نطالب وكالة أونروا واللجنة الشعبية بإيجاد حلّ جذري لأزمة المياه، إذ لا يُعقل أن يُعطى الناس إرشادات عن النظافة والوقاية من الأمراض والأوبئة، بينما لا تتوفر المياه الصالحة للاستحمام أو غسل الخضار والملابس أو التنظيف".

وتلفت مها محمود، المقيمة أيضاً في مخيم برج البراجنة، إلى أن "المياه المتوفرة شديدة الملوحة وغير صالحة للاستخدام، وقد تسبّبت بمشاكل صحية عديدة، أبرزها الحساسية والأمراض الجلدية، والجفاف الشديد في الجلد، وتساقط الشعر، كما أنّها أتلفت المقتنيات المنزلية مثل الحنفيات والخلاطات والخزانات بعدما أصابتها بالصدأ. وهي مياه غير خاضعة لأي فحص أو رقابة صحية". وتضيف متحدثة لـ"العربي الجديد": "لذلك، نُجبر على شراء مياه عذبة كل ثلاثة أيام من أجل الاستحمام وغسل الخضار والطهي، وحتى للوضوء، إذ لا يمكن استخدام المياه المالحة لأي من هذه الأغراض. وتصل الكلفة الشهرية لشراء المياه العذبة إلى 100 دولار أو أكثر، وهو عبء كبير على سكان المخيم وسط الظروف الاقتصادية الصعبة في لبنان. كما نضطرّ إلى شراء خزان مياه بسعر 350 ألف ليرة (نحو أربعة دولارات) كل ثلاثة أيام، علماً أنّه لا يكفي سوى لتلبية الاستخدامات الأساسية".

وتقول محمود: "نشعر بأنّنا متروكون، وأنّ تقليص الخدمات والمساعدات متعمّدٌ، ما يزيد معاناتنا اليومية، ويجعل الحياة شبه مستحيلة. الهدف واضح، وهو الضغط على اللاجئين الفلسطينيين ودفعهم إلى المغادرة، فيما لا يملك فيه معظمنا أي بديل أو قدرة على الاستئجار خارج حدود المخيم. هذه ليست حياة كريمة، وما نعيشه مأساة حقيقية تتفاقم يوماً بعد يوم، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وترك اللاجئين بمفردهم في مواجهة الفقر والمرض".

تعليقات