أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي إلى أن "الصوم ليس مجرد حرمان مؤقت، بل هو "فقر إجباري" مقصود، يُهدف منه تذكير النفس الإنسانية أن الحياة لا تكمن في الملذات المادية، بل عندما يتشارك الناس في المشاعر الإنسانية الموحدة، لا عندما تفرقهم الأهواء والمصالح المتعارضة".
ورأى في خطبة الجمعة أن "الصوم أداة تهذيب وتدريب عملي، يسوي بين الناس في الشعور والحس والطبيعة. فهو يحرم البطن من المادة، مثل منع التدخين، مما يجرد الإنسان من تبعيته لشهواته ويحرر عقله من سيطرة الجسد. بهذا يصبح الناس جميعًا في حالة نفسية واحدة، يتجاوزون الفروقات الظاهرة ويتصلون عبر صوت الروح المشترك الذي يعلّم الرحمة ويقويها".
وأضاف: "لقد بلغ السيل الزبى في ملف من يُصطلح على تسميتهم بـ (الموقوفين الإسلاميين)، الذين بات وصفهم بـ (أسرى المسلمين في لبنان) أصدق تعبيراً عن واقعهم المرير، بعد أن ضُربت القوانينُ عرض الحائط واستُبيحت حقوقهم على شتى الصعد؛ فبين مطرقة العدالة الانتقائية وسندان التشفي المتعمد، يرزح السجناء تحت وطأة تأجيل المحاكمات لسنوات طوال، مما دفع ببعضهم نحو الانتحار يأساً من فجاعة الظلم والكيل بمكيالين. إن كف يد الظالمين عن هذه الاستباحة الممنهجة بات واجباً شرعياً وإنسانياً محتوماً لتدارك انفجار اجتماعي وشيك، مما يستوجب حلاً جذرياً لا يقبل التأجيل: فإما عفوٌ عام يضمد الجراح، أو تقصيرٌ للسنة السجنية، أو إرساءُ محاكمات عادلة وسريعة تنهي فصول هذا التنكيل وتُحرر هؤلاء المظلومين من قيود الانتقام".
وأكد أن "فكرة المساواة والاطمئنان هذه هي روح الحياة، وبدونها يصبح أي مذهب اجتماعي مجرد عبث. فالصوم، بهذا المعنى، ليس شعيرة دينية فحسب، بل نظام أخلاقي واجتماعي يبني الوحدة الإنسانية من الداخل".
وأردف: "بعد وقف إطلاق النار، لم تتوقف الكارثة في غزة؛ فالهدوء المزعوم لم يكن سوى قناع هشّ لعدوانٍ متواصل، تجلّى في 1520 خرقًا نفّذها الاحتلال".
وتابع: "آلاف العائلات ما زالت بلا مأوى، الأطفال يبحثون عن مدارسهم بين الركام، والمستشفيات تئن تحت وطأة العجز، وأن وقف إطلاق النار لم يكن نهاية المأساة، بل انتقالاً إلى فصل جديد من فصول المعاناة".
واعتبر إنها "معركة البقاء وإعادة بناء الحياة، في مواجهة احتلال لا يعرف عهداً ولا يحترم مواثيق، وعدوان لا يملّ من انتهاك حقوق الإنسان والأرض والمقدسات، وفي ظل صمتٍ دوليٍّ يرقى إلى حدّ الشراكة في الجريمة".
وأضاف: "تُكشف الفضائح الأخلاقية في أرقى الأوساط الغربية عن أزمة عميقة تجعل الشهوات مُتحكمةً في النخب، وتُذَوِّب الحدود بين القيم الإنسانية السامية والسلوك الحيواني. الجزيرة الغامضة مؤشر على انحدار منهجي يُراد تصديره للعالم تحت شعارات الحرية المزيفة، مما يفرض علينا كمسلمين فهم عمق هذا التحدي وضرورة التمسك بمنظومتنا الأخلاقية الربانية".
ولفت إلى أن "دور الأمة الإسلامية يبرز كحصن أخير للكرامة الإنسانية، حيث تحمل رسالة التوحيد التي تحرر الإنسان من عبودية الهوى وتصونه من الانحطاط. لسنا مجرد مشاهدين، بل نحن مؤتمنون على إنقاذ البشرية بتقديم نموذج حي للوسطية والطهر، والمواجهة اليوم فكرية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية، وهي تستدعي صحوة جماعية لإعلاء كلمة الحق في عالم تتهاوى فيه القيم". مشدّدًا على أنه "لا يجوز للمسلم أن يخذل أخاه عندما تُنتهك حرماته أو يُظلم. فمن ينصر مسلماً في موطن يُنتقص فيه من عرضه، ينصره الله يوم يحتاج إلى النصرة، الانتصار للمسجونين السياسيين في رومية واجب".
وختم الرفاعي: "من الظلم الفادح تطبيق العدالة بمكيالين: حيث يُسجن البعض لرأيه أو هويته، بينما يُتغاضى ويتهاون عن انتهاكات أشدّ من غيره. نرفض هذا التجزيء وليؤمر بالقسط للجميع: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾. العدل الحقيقي لا يعرف المحاباة".

تعليقات
إرسال تعليق