بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين- الدكتور وسيم وني ـ بوابة صيدا
في الرابع عشر من شباط، لا يستعيد اللبنانيون حدثًا أمنيًا فحسب، بل يستحضرون محطة مفصلية في تاريخ وطنهم ، فاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل زلزالًا أصاب الشعب اللبناني في عمقه، وفتح صفحة جديدة في مسار الدولة والمجتمع ، إنها ذكرى تختصر معاني الفقد، والأمل، والإصرار على أن لبنان يستحق الحياة.
فقد شكّل رفيق الحريري نموذجًا لرجل الدولة الذي ربط السياسة بالتنمية، والإدارة بالرؤية ، وحمل مشروعًا واضحًا لإعادة إعمار بيروت بعد سنوات الحرب، وسعى إلى إعادة لبنان إلى الخريطة الاقتصادية والمالية في المنطقة، ولم يكن مشروعه عمرانيًا فحسب، بل كان مشروعًا لإعادة الثقة: ثقة المواطن بدولته، وثقة العالم بلبنان.
انطلق الحريري من قناعة أن الاستقرار هو المدخل إلى النهوض، وأن التعليم والاستثمار والبنية التحتية هي أعمدة بناء الدولة الحديثة، لذلك، ارتبط اسمه بمرحلة إعادة الإعمار، وبتحريك عجلة الاقتصاد، وبتوسيع شبكة العلاقات العربية والدولية للبنان.
وقد جاء اغتياله في لحظة إقليمية دقيقة، فكان الحدث الذي غيّر المعادلات الداخلية وأعاد رسم المشهد السياسي ، فخرج اللبنانيون إلى الشوارع في مشهد غير مسبوق، معبّرين عن غضبهم ورفضهم لمنطق الاغتيال، ومؤكدين تمسّكهم بالدولة والسيادة والقرار الوطني الحر.
وتحوّلت ذكرى الرابع عشر من شباط إلى مساحة جامعة، يستذكر فيها اللبنانيون قيمة الاعتدال، والحوار، والتمسك بالمؤسسات ، فالاغتيال، مهما كانت دوافعه، لم ينجح في إلغاء الفكرة التي حملها الرجل: فكرة الدولة القادرة والعادلة.
وهاهي السنوات تمرّ، وتتبدّل الظروف، لكن اسم رفيق الحريري يبقى حاضرًا في النقاش العام حول معنى الدولة ودورها ، في زمن الأزمات المتلاحقة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لاستعادة منطق العمل المؤسساتي، والتخطيط طويل الأمد، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
كما أن إحياء الذكرى لا يكون بالبكاء على الماضي، بل بتحويلها إلى محطة مراجعة: ماذا نريد للبنان؟ وأي دولة نسعى إلى بنائها؟ فالرجال يرحلون، لكن الأفكار تبقى معيارًا يُقاس عليه الأداء السياسي والوطني.
ختاماً في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ينحني اللبنانيون أمام تضحيات رجلٍ آمن بلبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، وسعى لأن يكون مساحة لقاء لا ساحة صراع. تبقى ذكراه دعوة مفتوحة للتمسّك بالأمل، وللعمل من أجل دولة عادلة، قوية بمؤسساتها، جامعة بتنوعها، وفية لدماء شهدائها.

تعليقات
إرسال تعليق