التخصيب الرمزي.. آخر فرصة لتجنب الحرب الأمريكية على إيران

 

أحمد حافظ و غزل أريحي ـ الجزيرة نت

في خضم تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، وبينما تلوح في الأفق تهديدات أمريكية بخيارات عسكرية تصل إلى حد استهداف المرشد الإيراني علي خامنئي نفسه، برز مصطلح جديد على طاولة المفاوضات النووية هو "التخصيب الرمزي".

ويمثل هذا المصطلح -وفق خبراء ومحللين إيرانيين تحدثوا للجزيرة نت- حلا وسطا يلبي رغبة إيران في الحفاظ على حقها السيادي في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ويستجيب في الوقت نفسه لمطلب واشنطن بعدم تحويل هذا التخصيب إلى مسار ينتج سلاحا نوويا.

ويأتي طرح هذا المفهوم قبيل جولة جديدة من المحادثات النووية المقررة الخميس المقبل في جنيف، وسط حديث عن استعداد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للنظر في مقترح يسمح بهذا المستوى المحدود من التخصيب، شريطة ألا يترك أي مسار لصنع قنبلة نووية.

وبينما يرى بعض الخبراء أن هذه الصيغة قد تشكل مفتاحا لمنع المواجهة العسكرية، يرى آخرون أن المشكلة الأمريكية ليست مع البرنامج النووي الإيراني بحد ذاته، بل مع نظام الجمهورية الإسلامية ككل.

التخصيب الرمزي مخرج تفاوضي

يمثل مصطلح "التخصيب الرمزي" مخرجا تفاوضيا محتملا في ملف شائك ظل يحكم العلاقات الإيرانية الأمريكية منذ عقود، فبعد أن تحدث مسؤولون أمريكيون عن رغبتهم في "تصفير التخصيب" كليًّا، جاء هذا المقترح ليفتح بابا للمناورة السياسية والفنية معا.

ويوضح الباحث الإيراني هادي محمدي أن ما تطرحه المصادر الأمريكية تحت هذا المسمى يبدو أقرب إلى تخصيب محدود على مستوى بحثي ومختبري، ولا يهدف إلى إطلاق برنامج صناعي لتغذية محطات الكهرباء.

وفي تصريحات للجزيرة نت، يرجح محمدي أن المقصود الأمريكي بذلك هو تخصيب منخفض النسبة ويكون موجها حصريا لتأمين وقود المفاعلات البحثية والأنشطة العلمية، وبقدرة إجمالية قد لا تتجاوز نحو 10 آلاف وحدة عمل، مع مخزون محدود يطابق الاحتياج البحثي فقط.

ويتفق المحلل السياسي رضا غبيشاوي مع هذا الرأي، ويقول إن "التخصيب الرمزي" يُفهم منه تخصيب اليورانيوم بنسبة أعلى من الصفر وأقل من المستوى الصناعي، بحيث تبقى أجهزة ومنشآت التخصيب قيد التشغيل وتؤدي وظائفها، من دون أن يكون لهذا المستوى استخدامات عملية، بما في ذلك تشغيل محطات الطاقة النووية.

ويضيف غبيشاوي -للجزيرة نت- أن هذا المستوى من التخصيب يهدف أساسا إلى الحفاظ على استمرارية الأنشطة النووية الإيرانية من الناحية التقنية، مع عدم إمكانية تحديد نسبة دقيقة لهذا المستوى، وإن كان يُرجح أن يكون أقل من 3%، حسب قوله.

أما أستاذ الدراسات الأمريكية في جامعة طهران فؤاد إيزدي، فيرى أن المصطلح يحمل معاني متعددة، وقد يقبل به الطرف الإيراني بطريقة ما؛ لأن المسؤولين الإيرانيين حريصون على ألا تقع حرب بين إيران والولايات المتحدة.

ويشترط إيزدي -في تصريحاته للجزيرة نت- أن يكون ذلك مقرونا بتراجع واشنطن عن الحديث حول "تصفير التخصيب"، أي أنها ستقبل مبدأ التخصيب كأساس للمباحثات، ثم يصبح "أسلوب التخصيب" قابلا للتفاوض.

وتجدر الإشارة إلى أن إيران كانت قد تعهدت في اتفاق عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) بخفض نسبة التخصيب إلى 3.67%، وهو ما يعكس استعدادها التاريخي لتقديم تنازلات على مستوى التخصيب مقابل ضمانات دولية. غير أن نسبة التخصيب بلغت في مفاوضات لاحقة 60%، قبل أن توقف إيران التخصيب بالكامل عقب الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على منشآتها خلال ما عُرفت "بحرب 12 يوما" في يونيو/حزيران 2025.

هل يمنع "التخصيب الرمزي" الحرب؟

تتباين آراء المحللين حول قدرة هذا المقترح على منع تصعيد عسكري بات يقترب من حافة المواجهة المباشرة، فبينما تصر واشنطن على أن طهران يجب أن تقدم "عرضًا لا يمكن رفضه" لتفادي هجوم محتمل، تؤكد إيران أن التخصيب على أراضيها خط أحمر لا يمكن المساومة عليه.

ويعتقد غبيشاوي أن "التخصيب الرمزي" قد يشكل مفتاحا لحل الخلاف بين الطرفين، ونقطة يمكنهما التوصل إلى اتفاق بشأنها. فهو من جهة يلبي رغبة إيران في الحفاظ على مبدأ التخصيب واستمراريته، ومن جهة أخرى يستجيب لمطلب الولايات المتحدة بعدم استخدام التخصيب الإيراني في إنتاج أو توظيف الأسلحة النووية.

لكن إيزدي يطرح رؤية مختلفة، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بحسابات الكلفة والعائد الأمريكية. ويقول إن المسؤولين الإيرانيين هذه المرة يريدون -خلافا للمرة السابقة- إيقاع قتلى في الجانب الأمريكي وبقدر يجعل تكرار هذا النوع من الهجمات على إيران غير ممكن.

ومن هذه الزاوية، فإن أي اتفاق بشأن البرنامج النووي يمكن أن يؤثر فعلا في منع الحرب؛ لأن كلفة الحرب على الولايات المتحدة ستكون كبيرة هذه المرة، والكلفة البشرية عليها سترتفع، لذلك "فمن مصلحة الأمريكيين أنفسهم الوصول إلى اتفاق في الملف النووي وعدم الدخول في مواجهة عسكرية"، حسب ما ذهب إليه أستاذ الدراسات الأميركية في جامعة طهران.

ولكن إيزدي نفسه يستدرك على ذلك بأن الولايات المتحدة ليست قلقة من البرنامج النووي الإيراني، ويرى أن المعيار الرئيسي للقرار الأمريكي هو الكلفة: فإذا كانت منخفضة فسيهاجمون، وليسوا منشغلين كثيرا بالملف النووي. وإذا كانت عالية فلن يهاجموا، حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق. فالمشكلة الأمريكية حسب قوله- ليست البرنامج النووي، بل "الجمهورية الإسلامية" نفسها.

التخصيب.. داخل إيران أم خارجها؟

يمثل موقع التخصيب إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات الجارية الحالية أو السابقة، إذ تصر طهران دوما على أن التخصيب على الأراضي الإيرانية حق سيادي لا يمكن التنازل عنه، بينما سعت واشنطن وحلفاؤها مرارا لنقل هذه العملية إلى خارج البلاد تحت إشراف دولي.

وهنا، يؤكد غبيشاوي أن التخصيب على الأراضي الإيرانية خط أحمر بالنسبة للحكومة الإيرانية، وأن إيران تريد التخصيب على أراضيها، ولن تقبل بالتخصيب خارجها بأي شكل من الأشكال، حتى لو قام به خبراء إيرانيون.

ويتفق إيزدي مع هذا الموقف، مشيرا إلى أن ما يقوله المسؤولون الإيرانيون هو أن "خطهم الأحمر" هو التخصيب داخل البلاد. لكنه يلفت إلى أن "داخل البلاد" قد تُطرح له أيضًا خيارات مختلفة، مثل الكونسورتيوم مثلا، حيث طُرحت أدوات متعددة في هذا السياق.

يذكر أن إيران حسمت موقفها برفض "صفر تخصيب" أو التخلي عن التخصيب داخل أراضيها، معتبرة ذلك مخالفا لحق تقره القواعد الناظمة لعمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يجعل هذا المبدأ -حسب محمدي- خارج إطار التفاوض، مقابل استعداد طهران لمناقشة نِسب التخصيب وحجم المخزون وعدد أجهزة الطرد.

مكاسب سياسية وفنية محتملة

رغم التحديات التي يفرضها مقترح "التخصيب الرمزي" على البرنامج النووي الإيراني، يرى بعض الخبراء أنه قد يحقق مكاسب مهمة على المستويين السياسي والتقني.

فيعتقد المحلل الإيراني محمدي أن "التخصيب الرمزي" -إن تم تبنيه- يمنح إيران مكسبا تفاوضيا وسياسيا عبر تثبيت حقها في التخصيب ولو بمستوى منخفض، وفي الوقت نفسه يحافظ فنيا على بنية صناعة التخصيب والمعرفة المتراكمة، ويساعد في تأمين وقود المفاعلات البحثية.

كما يشير إلى أن هذا المستوى قد ينسجم مع خطط مستقبلية لإقامة مفاعلات صغيرة بقدرة تقارب 100 ميغاواط تحتاج عادة إلى يورانيوم مخصب أقل من 5%.

ويضيف محمدي أن أحد المسارات المطروحة لتقليل المخاوف الغربية يتمثل في تحويل اليورانيوم المخصب من صورته الغازية (UF6) إلى أكسيد اليورانيوم (UO2) لإدخاله في دورة الوقود، بما يحد من سهولة "الارتداد" إلى مسار تخصيب إضافي.

ويلفت إيزدي إلى أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا مرارا أن مبدأ التخصيب يُعد "خطا أحمر"، وأن طهران لن تقبل بسياسة "صفر تخصيب"، في حين يبقى مستوى التخصيب قابلاً للتفاوض.

يذكر أن البرنامج النووي الإيراني انطلق عام 1957 باتفاقية تعاون نووي مدني مع الولايات المتحدة، لكنه شهد تحولات كبرى بعد الثورة الإسلامية عام 1979، التي أدت إلى تدهور العلاقات مع الغرب وخروج الشركات الأجنبية وخبراء الذرة من البلاد، وعلى مدى عقود، خضع البرنامج لمفاوضات طويلة انتهت بتوقيع اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" مع مجموعة "5+1" عام 2015 بهدف تقييد أنشطة إيران النووية وضمان سلميتها.

إلا أن التوترات تجددت مع انسحاب واشنطن من الاتفاق في 2018 خلال الولاية الأولى لترمب، وتصاعدت الخلافات الدولية مجددا مع عودته إلى الرئاسة عام 2025.

تعليقات