تحليل ـ بوابة صيدا
عندما يستخدم رئيس القوة العظمى الأولى في العالم دونالد ترمب مصطلح "السحق" لوصف عملياته العسكرية ضد قوة إقليمية كإيران، فإننا لسنا أمام مجرد "تغريدة" أو تصريح عابر، بل نحن أمام إعلان رسمي عن موت استراتيجية "قواعد الاشتباك" والولادة القسرية لشرق أوسط جديد يُرسم بالحديد والنار.
1. ما وراء اللغة: من "الضغط الأقصى" إلى "الهدم الكامل"
في ولايته الأولى، اعتمد ترامب "الضغط الأقصى" اقتصادياً لجر طهران إلى طاولة المفاوضات. أما اليوم، وفي آذار 2026، يبدو أن "الطاولة" قد تحطمت. تصريحات ترامب الأخيرة تشير إلى أن الهدف لم يعد "تغيير السلوك"، بل "تفكيك القدرة". حديثه عن تدمير سلاح الجو والبحرية والدفاعات الجوية الإيرانية يعني أن واشنطن قررت "نزع مخالب" طهران بالكامل قبل الحديث عن أي تسوية.
2. "النصر" كبديل لـ "التهدئة"
لأول مرة منذ عقود، يرفض رئيس أمريكي صراحةً مصطلح "وقف إطلاق النار" في ذروة الصراع. هذا الرفض يكسر التقليد الدبلوماسي الذي كان يسعى دائماً لاحتواء الحروب ومنع تمددها. بالنسبة لترامب، وقف إطلاق النار هو "فرصة للخصم ليلتقط أنفاسه"، وهو ما يرفضه جملة وتفصيلاً طالما أن ميزان القوى يميل لصالحه بشكل ساحق "كما يزعم".
3. التناغم العضوي مع إسرائيل
تأكيد ترامب على أن واشنطن وتل أبيب تريدان "نفس الشيء" (النصر)، ينهي أي رهان إقليمي على وجود "فجوة" بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو. هذا التحالف العضوي يمنح إسرائيل "شيكاً على بياض" لتوسيع عملياتها في لبنان وغزة، طالما أن المظلة الأمريكية تؤمن لها "سحق" المركز (طهران).
4. الجغرافيا السياسية للخليج: ما بعد "مضيق هرمز"
إصرار ترامب بأن إيران لم يتبقَّ لها سوى "عرقلة المضيق" وان قوتها العسكرية دُمرت بشكل كامل تقريباً، هو اعتراف بأن المواجهة انتقلت إلى مرحلة "الانتحار العسكري" للخصم. إذا نجحت واشنطن فعلياً في "تحييد" القدرات التقليدية لإيران، (وهو مستبعد حتى الأن) فإن الخارطة الجيوسياسية للخليج ستتغير للأبد؛ حيث ستتحول إيران من "لاعب مهيمن" في المنطقة إلى "دولة محاصرة" داخلياً، مما يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تقودها واشنطن وحليفتها "إسرائيل" دون اعتبار لوجود "فيتو" إيراني، أو "مصلحة" عربية..
فهل يستطيع العالم تحمل كلفة "النصر الكامل" الذي ينشده ترامب، أم أن "السحق العسكري" سيولد فوضى لا يمكن السيطرة عليها في ممرات الطاقة العالمية؟ أو حتى في الدول المجاورة لإيران؟ فضلاً عن إيران ذاتها؟

تعليقات
إرسال تعليق