تتداخل المسارات السياسية والعسكرية في لحظة توصف بالحاسمة بين واشنطن وطهران، إذ يُطرح مقترح هدنة مؤقتة لـ45 يوما كنافذة ضيقة لتفادي تصعيد أوسع، غير أن تعقيدات الملفات المطروحة، وتضارب حسابات الأطراف، يضعان هذه المبادرة أمام اختبار بالغ الحساسية.
وبحسب ما نقله موقع "أكسيوس"، فإن المقترح المطروح يجري تداوله عبر وسطاء إقليميين، في محاولة لتجميد القتال مؤقتا، ريثما تُستكمل مفاوضات أكثر عمقا بشأن إنهاء الحرب، وسط تحذيرات من أن فشل هذا المسار قد يفتح الباب أمام ضربات واسعة للبنية التحتية.
وفي هذا السياق، يبرز البعد العملياتي للخطة، إذ تتحدث المعطيات عن جاهزية حملة قصف تستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، مقابل سيناريو رد إيراني قد يطال منشآت حيوية في الخليج، مما يجعل الهدنة المقترحة أقرب إلى محاولة احتواء انفجار وشيك.
غياب الثقة
ضمن هذه المعادلة، يرى الباحث في الشؤون الإقليمية حسين رويوران أن جوهر الموقف الإيراني لا يرتبط برفض التهدئة بقدر ما يتصل بغياب الثقة، مشيرا إلى أن طهران تنظر إلى أي مقترح دون ضمانات باعتباره امتدادا لتجارب سابقة انتهت بانسحاب أمريكي أحادي.
ويؤكد الباحث أن أي انخراط إيراني في هذا المسار يظل مشروطا باعتراف صريح بحقوقها النووية، كما يقرها القانون الدولي، معتبرا أن طرح شروط تتجاوز هذا الإطار كوقف التخصيب، يضع المفاوضات في مسار تصادمي منذ بدايتها.
ولا ينفصل هذا الطرح عما أورده "أكسيوس" بشأن سعي الوسطاء إلى توفير ضمانات بعدم استئناف القتال خلال فترة الهدنة، إذ يشير رويوران إلى أن توفر مثل هذه الضمانات قد يفتح هامشا للتقدم، لكنه لا يبدد بالكامل حالة الشك المتراكمة.
جدوى المقترح
في المقابل، يذهب أستاذ السياسة المقارنة مقتدر خان إلى التشكيك في جدوى المقترح من أساسه، معتبرا أن ملف مضيق هرمز يمثل عقدة مركزية، إذ يصعب تصور قبول إيران بالتخلي عن ورقة ضغط بهذا الحجم مقابل هدنة مؤقتة غير مضمونة النتائج.
ويضيف أن اشتراط فتح المضيق قبل أو خلال الهدنة قد يفقد طهران إحدى أهم أدواتها التفاوضية، مما يجعلها أقل حماسا للمضي في اتفاق لا يقدم لها مكاسب إستراتيجية واضحة، خاصة في ظل غياب ضمانات طويلة الأمد.
كما يثير خان تساؤلات حول مصداقية الالتزام الأمريكي والإسرائيلي بأي اتفاق مرحلي، مستحضرا نماذج سابقة لم تصمد فيها التفاهمات، وهو ما يعزز، برأيه، التردد الإيراني في القبول بمقترحات لا تتجاوز إطار التهدئة المؤقتة.
الخاسر الأكبر
في الجانب الإسرائيلي، يقدّم الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية محمد هلسة قراءة مختلفة، إذ يرى أن تل أبيب لا تجد مصلحة مباشرة في وقف إطلاق النار عند هذه المرحلة، معتبرا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيكون الخاسر الأكبر من أي تهدئة مبكرة.
ويشير إلى أن قرار إنهاء الحرب لم يعد بيد إسرائيل وحدها، بل بات مرتبطا بشكل أساسي بالموقف الأمريكي، رغم محاولات نتنياهو التأثير في مسار الأحداث ودفعها نحو مزيد من التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.
وفي قراءة أعمق، يلفت هلسة إلى أن إسرائيل تراهن على اتساع الفجوة بين المواقف الأمريكية والإيرانية، بما قد يؤدي إلى إفشال المقترح، خصوصا في ظل تمسك طهران بشروطها، وسعي واشنطن لتحقيق إنجاز ملموس، لا سيما في ملف مضيق هرمز.
ورغم الضغوط الميدانية التي تتعرض لها إسرائيل، مع تواصل الهجمات الصاروخية الإيرانية، يرى هلسة أن القيادة السياسية تميل إلى مواصلة الحرب، خشية أن يؤدي وقفها دون تحقيق إنجاز واضح إلى تعميق الأزمة الداخلية وفقدان الثقة.
(المصدر: الجزيرة)

تعليقات
إرسال تعليق