بقلم د. امل طعان جفال مديرة البيئة والتنمية في نقابة الغواصين المحترفين في لبنان.
المشهد أعلاه ليس انفجارًا اعتياديًا، بل وثيقة إدانة موقَّعة بالفوسفور الأبيض ونترات الأمونيوم (ANFO). الضحية: بحر جنوب لبنان وثروته السمكية لأجيال قادمة.
أولًا: ماذا نرى في الصورة؟
1. اللون الوردي في المياه = نترات الأمونيوم (ANFO)
هذا ليس انعكاسًا للغروب، بل مركّب متفجّر استنزف الأكسجين المذاب في المياه بالكامل.
النتيجة: نفوق جماعي فوري لجميع الأحياء البحرية، من الأسماك الصغيرة إلى الكبيرة، اختناقًا خلال دقائق. لقد تحوّل البحر إلى مقبرة جماعية آنية.
2. القوارب المحطّمة والسلحفاة النافقة = الفوسفور الأبيض
مادة حارقة تشتعل تلقائيًا عند ملامسة الهواء، بدرجة حرارة تصل إلى 800 درجة مئوية، ولا تنطفئ بالماء. تقوم بحرق الأحياء البحرية وهي حيّة. أما الدخان الأبيض الكثيف الناتج عنها، فيتحوّل داخل الرئتين إلى حمض الفوسفوريك الحارق.
3. صنّارة الصيد المكسورة المنتصبة = نهاية مصدر رزق
ليست مجرد أداة صيد، بل شاهد على انقطاع أرزاق آلاف العائلات التي تعتاش من البحر. فالبحر المسموم لم يعد صالحًا لإنتاج الغذاء.
التحليل التقني والآثار بعيدة المدى
نترات الأمونيوم (ANFO):
تؤدي إلى نقص تأكسج قاتل (Hypoxia)، حيث ينخفض الأكسجين المذاب إلى الصفر (0 ملغ/لتر)، مع انبعاث أكاسيد النيتروجين (NOx). اللون الوردي يشير إلى تركيز مرتفع يتجاوز 50,000 جزء في المليون.
النتائج:
1. تكوّن “منطقة ميتة” (Dead Zone) وتعطّل دورة النيتروجين لعقود.
2. تلوّث المياه الجوفية بتسرّب النترات (NO₃) إلى آبار الشرب.
3. انتهاك الملحق الثالث من الاتفاقية الدولية لمنع التلوث من السفن (ماربول 73/78).
الفوسفور الأبيض (WP):
يخضع لاحتراق لاهوائي وفق التفاعل (P₄ + 5O₂ → P₄O₁₀)، الذي يتحوّل مع الماء إلى حمض الفوسفوريك (H₃PO₄)، ما يخفّض درجة الحموضة (pH) إلى أقل من 4 موضعيًا، ويؤدي إلى إذابة كربونات الكالسيوم في الأصداف والشعاب المرجانية.
النتائج:
1. تسمّم القاع ومنع إعادة استيطان الكائنات القاعية (Benthos) لمدة تتراوح بين 7 و15 عامًا.
2. تراكم حيوي للمواد السامة داخل السلسلة الغذائية.
3. انتهاك البروتوكول الثالث من اتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة (CCW 1980) عند استخدامه ضد المدنيين.
الأثر التآزري بين المادتين:
نترات الأمونيوم تقضي على الكتلة الحيوية الحالية، بينما يمنع الفوسفور الأبيض تجددها عبر تدمير مناطق التفريخ والحضانة (Nursery Grounds).
وهذا يرقى إلى مستوى إبادة بيئية (Ecocide)، أي تدمير متعمّد وشامل لمنظومة بيئية.
التوصيف القانوني
هذا الفعل لا يمكن تصنيفه ضمن “الأضرار الجانبية للحرب”، بل هو استخدام مزدوج لسلاح حارق ومادة سامة واسعة الانتشار ضد بنية تحتية مدنية (ميناء صيد ومصدر غذاء أساسي).
والهدف منه هو التجويع الممنهج وقطع سبل العيش، وهو أمر محظور بموجب المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.
الخلاصة
الرصاصة تقتل فردًا، أمّا هذه الضربة فقد قتلت بحرًا بأكمله.
أثر الرصاصة يُنسى بعد عام، أمّا أثر هذه الجريمة فسيبقى في غذاء أبنائنا ومائهم لعقود طويلة.

تعليقات
إرسال تعليق