الأرض المحروقة: حين يُعدم بستان الزيتون في خمس دقائق

 

بقلم د. امل طعان جفال (مديرة البيئة والتنمية في نقابة الغواصين المحترفين في لبنان) بوابة صيدا

بعد أن أُعدم البحر بنترات الأمونيوم، جاء دور البر ليحترق بالفوسفور الأبيض. الضحية هذه المرة ليست سمكة ولا قاربًا، بل هي شجرة الزيتون التي أطعمت الأجداد وكان يفترض أن تطعم الأحفاد.

الفوسفور الأبيض لا يكتفي بحرق الخشب، إنه يرتكب إبادة زراعية كاملة: يقتل الشجرة، ويسمّم الأرض، ويُعدم المستقبل. وشجرة الزيتون ليست مجرد مصدر رزق، فهي رمز عالمي للسلام، وجذر ضارب في الهوية والذاكرة الجمعية، وشجرة مباركة ورد ذكرها في الكتب السماوية، وزيتها مقدّس استُخدم للإنارة والتطهير والشفاء منذ آلاف السنين. لذلك فإن إحراقها ليس استهدافًا لمحصول، بل استهدافٌ لرمزٍ وقداسةٍ وإرثٍ حضاريّ.

شجرة الزيتون التي صمدت ثلاثمئة عام أمام الجفاف والحرائق العادية، لا تصمد ثلاث دقائق أمام الفوسفور الأبيض. المادة تشتعل تلقائيًا بدرجة حرارة تتجاوز ألفٍ ومئتي درجة مئوية، فتحوّل الجذع الصلب إلى فحمٍ أجوف، والأوراق الخضراء إلى رماد أبيض يتطاير قبل أن يلامس الأرض. لكن، الكارثة لا تنتهي بانطفاء النار. كل شظية فوسفور تسقط على التراب تترك حفرة صغيرة تطلق حمض الفوسفوريك (HPO)، وهذا الحمض يقتل جميع الكائنات الدقيقة النافعة في التربة. النتيجة المباشرة أن الأرض تصبح عقيمة لا تنبت قمحًا ولا زيتونًا ولا حتى عشبة برية لمدة قد تصل إلى عشرين عامًا.

أما الأشجار التي نجت من الاحتراق المباشر على أطراف القصف، فإنها تمتص بقايا الفوسفور من الهواء والتربة، ليتحوّل الزيت المستخرج منها في الموسم التالي إلى مادة سامة تسبب تليّف الكبد والفشل الكلوي لمن يتناولها.

بلسان المزارع: لقد أحرقوا الشجرة التي أطعمت جدي وباركت بيتي بزيتها، وسمّموا الأرض التي كان يجب أن تطعم حفيدي، وبين الجريمتين سرقوا مائة عام من تاريخ عائلة وهوية شعب.

على المستوى التقني، يؤدي الفوسفور الأبيض إلى احتراق كامل لمادتي السليلوز واللجنين في الخشب، فحرارته تفوق نقطة الاشتعال الذاتي للخشب بأربعة أضعاف. الاحتراق ينتج خماسي أكسيد الفوسفور PO₁₀ الذي يتميأ فورًا في التربة ليكوّن حمض الفوسفوريك (HPO)، ما يخفض درجة حموضة التربة (pH) إلى مستويات قاتلة تتراوح بين 3.5 و4.

هذا التغيّر يدمّر الميكروبيوم الجذري ويقتل الفطريات التكافلية المسؤولة عن تغذية الشجرة، مُحدِثًا ما يُعرَف بالتصحّر الكيميائي.

الأخطر هو الامتصاص الجهازي، حيث تمتص الجذور الفوسفات غير العضوية وتخزّنها في الثمار بتراكيز تصل إلى 120 ملغ/كغ، أي أعلى بستين ضعفًا من الحد الأقصى المسموح به وفق دستور الغذاء العالمي. هذا يخلق تلوثًا للسلسلة الغذائية ويسبب تسممًا عضويًا مزمنًا بالفوسفور. وعندما تجتمع بقايا نترات الأمونيوم مع حمض الفوسفوريك في التربة، تتشكل مركبات نيتروفوسفاتية شديدة السمية، محوِّلة الأرض المنتجة إلى أرض بور سامة لعقود.

قانونيًا، هذا الفعل ينتهك المادة 55 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تحظر أساليب القتال المتوقع منها إلحاق ضرر بالغ بالبيئة الطبيعية، ويرقى إلى جريمة تعمّد تجويع المدنيين كأسلوب حرب وفق المادة الثامنة من نظام روما الأساسي (للمحكمة الجنائية الدولية) ، وهو شكل واضح من أشكال العقاب الجماعي المحظور بالمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة. وإذا أضفنا البعد الرمزي والديني، فإن استهداف شجرة الزيتون يدخل في باب تدمير التراث الثقافي والديني المحمي بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954.

قتل الإنسان فعل آني. قتل الأرض فعل ممتد. الأول جريمة تكتمل بدفن الضحية، والثاني سياسة إبادة بيئية وثقافية تُدفن معها سبل عيش أجيال وهوية شعوب. شجرة الزيتون التي هزمت كل الغزاة عبر خمسمئة عام، وهزمت الجفاف والحجر، والتي يرمز غصنها للسلام ويتقدس زيتها في المعابد والبيوت، هُزمت في خمس دقائق أمام سلاح كيميائي. الهدف لم يكن الشجرة بذاتها، بل الإنسان الذي يعتاش من ظلها وزيتها، والسلام الذي تمثله، والقداسة التي تحملها. إنها سياسة الأرض المحروقة بمعناها الحرفي والقانوني والروحي.  

 

تعليقات